ابن الجوزي
377
صيد الخاطر
والعجب بمن يهمل النظر فيما إذا توانى فيه أوجب الخلود في العقاب الدائم . وأعجب الكل جاحد الخالق وهو يرى إحكام الصنعة ويقول : لا صانع ! والسبب في هذه الأشياء كلها قلة العقل وترك إعماله في النظر والاستدلال . 339 - وجوب كتمان السر لا ينبغي للعاقل أن يظهر سرا حتى يعلم أنه إذا ظهر لا يتأذى بظهوره . ومعلوم أن السبب في بث السر طلب الاستراحة ببثه ، وذلك ألم قريب فليصبر عليه ، فرب مظهر سرا لزوجته فإذا طلقت بثته وهلك ، أو لصديقه فيظهره عليه حسدا له إذ كان مماثلا ، وإن كان عاميا فالعامي أحمق . ورب سر أظهر فكان سبب الهلاك . 340 - دعوة العالم الفقير إلى الصبر ما يتناهى في طلب العلم إلا عاشق العلم . والعاشق ينبغي أن يصبر على المكاره ، ومن ضرورة المتشاغل به البعد عن الكسب . ومذ فقد التفقد لهم من الأمراء ومن الاخوان لازمهم الفقر ضرورة . والفضائل تنادي « هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً » فكلما خافت من ابتلاء قالت : لا تحسب المجد تمرا أنت آكله * لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا ولما آثر أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه طلب العلم وكان فقيرا ، بقي أربعين سنة يتشاغل به ولا يتزوج . فينبغي للفقير أن يصابر فقره كما فعل أحمد ، ومن يطيق ما أطاق ؟ فقد رد من المال خمسين ألفا وكان يأكل الكامخ ويتأدم بالملح ، فما شاع له الذكر الجميل جزافا ، ولا ترددت الأقدام إلى قبره الا لمعنى عجيب . فيا له ثناء ملأ الآفاق ، وجمالا زين الوجود ، وعزا نسخ كل ذل . هذا في العاجل ، وثواب الآجل لا يوصف ، وتلمح قبور أكثر العلماء لا تعرف ولا تزار . ترخصوا وتأولوا ، وخالطوا السلاطين وزالت بركة العلم ، ومحي الجاه ، ووردوا عند الموت حياض الندم ، فيا لها حسرات لا تتلافى ، وخسرانا لا ينجبر ، كان صحبة اللذات طرفة عين ، ولازم الأسف دائما . فالصبر الصبر أيها الطالب للفضائل . فان لذة الراحة بالهوى أو بالبطالة تذهب ويبقى الأسى . وقال الشافعي رضي اللّه تعالى عنه :